fbpx
اتصل بنا

اشترك

التجارب وما تضمنته من قضايا ومضامين في رواية "حدث أبو هريرة قال..." لمحمود المسعدي - بكالوريا آداب
التجارب وما تضمنته من قضايا ومضامين في رواية "حدث أبو هريرة قال..." لمحمود المسعدي - بكالوريا آداب

العربية

التجارب وما تضمنته من قضايا ومضامين في رواية “حدث أبو هريرة قال…” لمحمود المسعدي – بكالوريا آداب

التجارب وما تضمنته من قضايا ومضامين في رواية “حدث أبو هريرة قال…” لمحمود المسعدي – بكالوريا آداب

التجارب وما تضمنته من قضايا ومضامين في رواية “حدث أبو هريرة قال…” لمحمود المسعدي – بكالوريا آداب

تجربة الحسّ:

تجربة الحسّ هي أولى التجارب التي قام بها البطل أبو هريرة في رحلته الوجودية وبحثه عن معنى الحياة وقد مرت هذه التجربة على امتداد سبعة أحاديث:

حديث البعث الأول: التعريف بشخصية الرواية “أبو هريرة” وخبر بعثه.

حديث المزح والجد: التعريف بريحانة. موسوعة سكوول

حديث التعارف في الخمر: التعارف بين أبي هريرة وريحانة.

حديث القيامة: أطوار التجربة المختلفة المتواصلة في حديث الحسّ.

حديث الحس: خوض غمار تجربة الحسّ / الجنس والحبّ.

حديث الوضع: بداية التحول عنها. موسوعة سكوول

حديث الوضع أيضا: الانفصال عن ريحانة وانتهاء التجربة.

الحديث: حديث البعث الأول في هذا الحديث نجد التعريف بالشخصية البطلة التي تتميز بالتقليد والجمود والركود وهي حياة ساكنة عاشها وذلك لبروزها في مكان ومجتمع يسير على أعراف وتقاليد وعلى السنة وكأنها طريق ممهد، موسوعة سكوول لا يمتاز عن سائر الناس منسجما مع نفسه وبيئته مطمأن وراضٍ بما عنده وبما يعيشه يؤدّي صلاته الخمس ويتزوج على السنة ويعتبر الجسد عورة وجب ستره “فقمت وأنا أستغفر الله وأصلح من ثيابي“.

 هذه التجربة التي لها علاقة مع الجسد بصفة مباشرة قد نجد أنّ أبا هريرة قد كانت له تجربتان سابقتان مع جارية لمحها في مكة وهي صماء وقبيحة المنظر، ومع حباب المغنية الذي لم يملك منها إلا العينين والفخذين، فهذه التجربتان قد كانتا تجربتين فاشلتين لعدم معرفة أبي هريرة معنى الجسد واكتشافه للجنس، حتى أتاه صديقه داعِيًا له ذات مرّة على الانصراف عن الحياة الساكنة إلى حركية الحياة ليطلعه عمّا جهله عند الفجر؛ موسوعة وهو اختيار من الكاتب ليكون الفجر زمن البداية وزمن الولادة الوجودية لأبي هريرة ليفصل بين الظلام رمز الموت والحياة السابقة للبطل وبين النور الساطع في الفجر ومن الشمس رمز الحياة والوجود الحقيقي، فهو زمن البعث من الموت إلى الحياة، فيفاجأ أبو هريرة في مكان غير بعيد عن مكة بجسدين عاريين يقيمان الصلاة لغير إلهه المعتاد مرتّلين:

سلام على الروح *** يسري على يسر

سلام على النور *** سلام على الفجر

نور وهواء ماء وغلال وثمار “هي دعوة الدنيا دعوة الكون“، ويستجيب أبو هريرة لهذه الدّعوة ويهتزّ لها فيترك ما كان عليه من زوجة وعبادة وتقاليد وكأنه “قد بعث من بين الأموات” إنه دال على الوعي الذي انتاب البطل يظهر في الاستهتار والتطرف والثورة على القيم والأخلاق التي كان عليها وتحديا للمجتمع الذي يكبت الوجود من خلال مجامعته لريحانة على مرأى من الناس ومسمع منهم موسوعة “فإذا هو قد رفعه (القدح) وصبّه على رأسي (ريحانة) … فجعلني تحت سمرة وانكبّ عليّ … وقام عنّا الرجال” ليجد أنّ اللذة والمتعة هي ما به يكون الإنسان إنسانا حيث روت له ظَمَأَهُ من شهوة جسدية ليجمع بين الجسد والحب فهي جميلة حسناء ملئت قلبه حبّا وتعلقا “حسناء غريبة الحسن كأن في عينيها نارا بفيها ماء حميما” كانت نار اللذة والجنس لا تنطفأ منها فهي من نسل موسوعة “أساف ونائلة” رمز الحب المحرّم فالجنس دينها والجسد محرابها، عانت من التحول وعدم الثبت لتجد الاستقرار مع أبي هريرة لثلاث سنوات أذاقته ريحانة اللذة ومعناها الحقيق، موسوعة سكوول كانا متكاملين ولّد كل من الآخر دين الشهوة واللذة في الطرف الآخر ليتخيّرا الأماكن الطاهرة والجيدة لقضاء ما عليهما ولاحتضان هذا الدين  “في شعاب بضواحي المدينة” أو “في مروج يغطيها الزهر والكلأ“.

  ولم يترك البطل بقية حواسه بل غذّاها بالجمال والضوء والأزهار والريحان تغذية للبصر والشم والذّوق في الخمر والأكل والسّمع في الإيقاع الغنائي واللّمس في الجنس والحبّ لـ “يضيء انشراحا” ليكون البحث عن المعنى الحياتي لديه لا يتوقف عن الجسد بل حتى في أفنان أخرى أمثال الطعام ليكون ضربا من أضراب العبادة لديه “كلما أتى طعاما أخذه خشوع غريب” موسوعة سكوول ويقول أبو هريرة “ما أعظم الشواء يستحيل إلى دمي” ولما فيه من تحدٍّ للموت عبر تغذية الجسد وتقويته متحدّيا الموت ليجامع ريحانة على رفاة العباد في مقبرة وكأنه يحاول قهر الموت وتحديه ومغالبته في نفسه.

فشل تجربة الحسّ:

ترجع أسباب فشل تجربة الحسّ إلى عوامل عديدة ذهبت بالبطل نحو العدم والمجهول وإلى الحقيقة النسبية وأنّ الجسد ليس هو المعنى الحقيقي للحياة ولتحقيق الوجود فيعود إلى التيه والضياع وانّ اللذة هي لذة ومتعة وقتية غير أزلية ولا باقية فهي زائلة  وإلى انحلال، موسوعة سكوول لأن القلق تسلل إلى شخص البطل في خضم تجربته مع ريحانة فماذا سيقدم الحس والجسد عند الموت والعدم وهو ما دفعه إلى تجربة الحس والجسد في المقبرة حينها تسَلَّا القلق والخوف الوجودي من جديد، موسوعة سكوول فقد مثّلت ريحانة الاستقرار والثبات مثل زوجته بالبيت؛ بالتالي تعيق البطل عن رحلته الوجودية والبحث عن معنى الحياة الذي فقده في الجسد من فقدان الروح فهي تجربة مبتورة أهملت غذاء الروح “لقد علمتني الطعام ما لذّته وما سكرته فهل علمتك يا ريحانة الجوع؟”   موسوعة سكوول والجماعة وهو بطل الرحيل الأبدي “دعيني يا هاته فقد كدت أن تقطعي عني سبيلي“. فأبو هريرة لم يجد في الجسد الفاني والآني متعة مطلقة ولا لذة أبدية لأن الجسد سيزول مع الوقت وهي تجربة لا نموّ فيها ولا تقدّم للذّات ممّا زاد في قلقه الوجودي واتّساع نظرته لغمار تجارب أخرى يبحث عن معنى الوجود ومعنى الحياة، وهذا الفشل لم يرجع بأبي هريرة إلى حياته السابقة والراتبة والجامدة بل دفعه إلى مزيد التقدّم في غمار البحث عن معنى الحياة وإلى مزيد البحث ومزيد التجارب. موسوعة سكوول وفشل التجربة الحسية حملت بعدا مأساويًّا في شخص البطل هو الوعي المأساوي بالوجود أمام تذكّر أخته وتذكر عجز الإنسان بجسده أمام الموت والقدر “انفجر فبكى حتى رأينا الدّموع في لحيته” ويظهر فيه انعدام معنى الوجود في رؤية البطل لأن رؤيته رؤية مبتورة وأحاديّة تنظر إلى الإنسان بعين واحدة على أنه جسد لا غير أهملت الجانب الروحي. لكن يبقى الإشكال في البطل الذي تطرف في استعمال الجسد وأغرب في المتعة.

تجربة الجماعة:

وردت تجربة الجماعة في سبعة أحاديث “حديث الشوق  والوحدة” و “حديث الحق والباطل” و “حديث الحاجة” و “حديث الطين”  و الحديثين “حديث الكلب” و “حديث العدد” يمثلان خوض الحقيقي لهذه التجربة وأخيرا “حديث الجماعة والوحشة” وهو نتاج وثمار التجربة.

بعد فشل تجربة الحسّ والحبّ وما آلت إليه من عزلة وابتعاد عن الآخرين إذ لا يمكن حصر الحياة في علاقة ثنائية بين رجل وامرأة أساسها الجسد دون الآخرين من ذلك تعميق لضيق والوحدة والعزلة عن العالم إذ أنّ هذه العزلة ولّدت فيه حبّ التواصل مع الجماعة بعد انقطاع وعزلة فلم يتردد أبو هريرة في وضع ريحانة “كما تضع الحامل المعسر” موسوعة سكوول بعد أن مثلت له العزلة والقطيعة مع الغير رافضا حصر كيانه في هذه الفردية الثنائية كما قال: “لعله ضيق محبس النفس الفرد” فكان انعزاله ضربا من الوهم فالموت يأتي على الإنسان في فرديّته ووحدانيته وعزلته  فكانّ لا سبيل لقهر الموت إلا من خلال الجماعة التي هي جيل عن جيل وبتواصلها عبر الزمن ومقاومته بالولادة التي لا تأتي إلا بالاجتماع مع الغير البشري.

 كل ذلك كان في “حديث الطين” الذي رسم له الطريق ليحيَ حياة ثانية ليكسب معنى جديد للحياة التي يبحث عنها عندما رأى رؤية فيها القوم “حينا كالنمل وحينا كالفيلة وهم يعجنون طينا ويجعلون الحجر على الحجر فيشدونه … ومن بيهم يغنون جماعة شعرا يوقعونه على أحجارهم يرفعونها:

العقل ردى *** والفكر سقم

والروح صدى *** روح العدم

والفعل بقا *** والجهد سليم

فلنبن  بنا *** ينفي العدم

أدرك أبو هريرة من هذه الرؤية أن الإنسان لا يحقق وجوده إلا من خلال الفعل والجهد وأنّ الإنسان وإن كان حجمه كالنملة فإرادته أكبر بكثير كالفيلة لا يحدها شيء فطلب البطل الجماعة “كثرة اليم واشتاق العدد” في تجربته التي سبقتها والتي باءت بالفشل، موسوعة سكوول حيث وجد أبو هريرة القوم كأنهم أصحاب الكهف قد تجاوزهم الحاضر إلى الماضي  وهم في سبات عميق وجمود واستسلام ورضاً بالموجود وقناعة وصلاة وعبادة حتى تقوّست ظهورهم لرب السماء طالبين الاستسقاء “فسجدوا لي / الجوع والقحط والجفاف / متخاذلون متآكلون / يصلون ويدعون الاستسقاء وربّهم” عليهم أمير سيطر عليهم وقهرهم سياسيا وثقافيا وعقائديا ولما فيه من مفارقة بين وضعهم المنكوب والقاسي وبين فعلهم الإنساني المبتور ومنعدم القدرة.

ومن هنا يؤكد أبو هريرة ضرورة العمل الجماعي لتحقيق الفعل الإنساني وبعثا للقدرة والإرادة الجماعية، لذلك يطلع عليهم أبو هريرة بكلبه وعصاه وشعره المرتل داعيا لهم بالفعل والبناء من ذلك دعوة صريحة من أبي هريرة أنّ الإنسان لم يخلق للهزيمة والانكسار ولا الانسياق وراء القدر والزمن لكن الجماعة سرعان ما افتكت القدرة والإرادة من البطل وسلبته روحه مع الزمن،  يقول في دفعهم: “هاته الأرض نحن خلقناها. و هته السَّماء نحن نصبناَ عمادها فأقمناها. فهل ملكتُم من خيراتها شيئاً؟ … لقد قالوا عنكم: ليس لهم الاَّ جَزلةٌ من رغيفٍ و لُعبةٌ تُلهيهم كالصِّبيان. و حجبُوا عنكم الشَّمس و فيها لكم نورٌ به تهتدُون, و أمسكُوا العيون و فيها لكم حياة, و ذبحوا عنكُم البقرةَ الصَّفراء. و قالوا: ما يُولدُ منكم اليوم, غداً نأكلُ جهده و نمتصُّ دمَه. و ما حرثتم اليوم, الى أفواهنا من الساَّعةِ سنابلُه. و قالوا: نساؤكم لنا اِمَاء و أرواحُكم مَرعى أيُّها الضُّعفاء. ثُمَّ ألقوا لكُم بعظام مُقشَّراتٍ هزال. فجثَوتُم على الرُّكَبِ تُصلُّون. و قُلتُم: طاعةً و حمداً يا أولي الأمر فيناَ. فحشروكُم فألقوكم فيالأصفاد. أ فأنتم راضون؟

أما آن أن ترتفعُوا الى الشِدَّة و البَأس؟ أ لا توقدونها حمراءَ ليس يردُّها جان و لا انس؟”.

ويدخلهم أبو هريرة ويشبعهم من خيراته ومن صنيع فعله ويحثهم إلى الفعل وأن يصبح الإنسان سيّد نفسه  ليخرجهم من عقلية العطاء إلى شرف الفعل والخلق، وعلمهم حمل السيف والرياح وركب بهم البحار ليكون أقوياء “حتى دانت لهم حضر موت والسترات وطور سينا واليمن والشام”؛ موسوعة سكوول وليكون أبو هريرة القائد لهم ولما فيه من بعد وجودي وكأنّه نبيّ يقودهم مؤمنا بالخلق والفعل “هاته الأرض نحن خلقناها. و هته السَّماء نحن نصبناَ عمادها فأقمناها. فهل ملكتُم من خيراتها شيئاً؟”.

لكن بعد مضيِّ سِنِينَ معهم من التضحيات الجسام يخيب سعيه في الجماعة ففي قعوده عليهم مرة في القيادة عادوا إليه مغلوبين واخرجهم من الجنة إلى الصحراء ليجعلوها جنة فإذا به تاهوا وضاعوا وتناحروا في ما بينهم لكنّهم غثاء كغثاء السيل بل هم كالدّواب يأكلون ويمرحون فقط ولا وجود لهم خارج ذات البطل  يفهمون الفعل الإرادة على أنهما هبة وعطية لا خلق وإنشاء.

فشل تجربة الجماعة:

لذلك اختار البطل أن يترك الجماعة وأن لا يعود إليها “دعني يا أوضاع من وهاد يا أضعف من عباد يا أحقر من بعوض يا بني الإنسان” في حديث الكلب ويوقل أيضا في حديث العدد “دعوني أيتها الأجساد ليس لها روح غير ما سلبن من روحي” وكأن الجماعة مميتة له وخانقة. موسوعة سكوول وفيه كفر بالجماعة وكفر بالإنسان لكونه وجد في الجماعة التيه الحسة والخلاء والعزلة حتى يقول في “حديث الجماعة والوحشة”: “وحسبت أن في العشرة سعة النفس فما كان منه إلا خلاء الخيبة ووحشة الوحدة“.

تجربة الدّين / الروح:

تمتد هذه التجربة في ثلاث أحاديث وهي “حديث العمى” و “حديث الحمل” وثالثهما “حديث الغيبة تطلب فلا تدرك” وهذا الأخير يمثل خوض تجربة الدّين، وقد ذهب أبو هريرة إلى تجربة الدين بعد فشله في تجربة الجماعة التي أكدت له أن الجماعة مميتة لما هو إنساني في الإنسان فلم يجد معنى الوجود الذي هو الخلق والفعل الذي لم يجده في المتعة الجسدية ولا في الفعل الجماعي البشري فعاد إلى فرديته وعزلته بحثا عن المعنى الحقيقي للوجود بعد التيه والضياع فأراد أن يجد في الروح والغيبة معنى يحقق فيه كيانه ووجوده وينتقل من الحيوانية إلى الألوهيّة والغاية من هذه التجربة لا تأكيد إيمانه السابق بل تقديم وإيجاد أجوبة عمّا يخطر بذهنه ويحقق المنزلة الفضلى له ليخرج من الحيرة التي وقع فيها حيث جمع شتات نفسه مرة الفشل الذي لقاه في التجربتين السابقتين لعله يجدها في تجربة الروح والدّين “سعادة النفس وكمالها أن تنتقش بحقائق الأمور الإلهيّة وتتحد بها“.

غامر أبو هريرة فرحل إلى دير العذارى وهو دير معلق بين الأرض والسماء قريب من الله يعلو به الإنسان فيتجاوز منزلته الحيوانية لعله يجد المنزلة الإلهية، هو مكان منفصل عن الدّنيا وشواغلها يحقق البطل فيه هروبه وعزلته عن الغير الذي كان يبحث عنه في تجربة الجماعة سابقا موسوعة سكوول “قليلا ما يُطرق لمنعة الجبل وشدّة الدّي وعسره وانفصاله عن الأرض” و يقول أيضا: “وهو الذي على الجبل فوق أثاية العرج يراه الحاج في طريقه ولا يبلغه إلا النسور” وفي ذلك يجاهد البطل ويابد المشقة متسائلا “أريد ان أعرف أيّهما أصدق وجودا الله أم الشيطان؟ أريد أن أعرف أأنا خالق الله أم الله خالقي؟“.

 أتى متسلّحا بأجوبة وتساؤلات لا حدود لها ولا قيود، لا كما عهدناه في حياته القديمة يغلبه السكون والتسليم والخضوع إنها حيرة أبي هريرة قاصدا الدّين لينزع هذه الحيرة التي ملئت كيانه وفكره ليجعل من الدّين الحقيقة الوجوديّة والتي فيها الحلّ. وهذه التجربة تمّت مع أحد راهبات الدّير وهي ظلمة رمز الدّين الوراثي التقليدي، جميلة لكنها أهملت نفسها، ورمز لكل من كفر بالجسد واعتقد بالروح عكس ريحانة هملت الروح واعتقدت في الجسد حقيقتها، ورمزية التمرد على الشهوة واللذات، وهي امرأة تتصنع فعل الرجال فأعاد لها أبو هريرة أنوثتها المفقودة أو التي دُفنت في أعماقها والتي نسيتها وتمثل الدين في ترهبها كراهبة، موسوعة سكوول ترمز إلى السماء والى الروح التي تنشد السماء فأعادها أبو هريرة إلى الأرض لما مثلته من اضطهاد الجسد من قبل الدين وطمس أبعاده. فانصرفت به تطهر نفسه وتخلع عنه ثياب الدنيا ليرتدي عباءة الصوفية رمز الشدة والضغط على النفس وتحطيم للجسد باعتباره قفصا للروح فبادر بتعذيب الجسد حتى صار “كجلدة السليخة” وكان “يصوم اليومين والثلاثة لا يطعم ولا يشرب” لقهر هادم اللذات ويظل بمحرابه أشهرٍ  في عزلة فلا يرى النور “يبقى به شهرين أو أكثر لا ينفذإليه بصيص من النّور” وغالبا ما يخرج إلى مقبرة الدّير متأملا فيها لعله يجد أجوبة عن حقيق الوجود بين الأموات ما لم يجده بين الأحياء.

 إلا أنّ أبا هريرة لم يستطع التخلص المطلق من جسده وبقيت شهوات ولذّات الجسد تتبعه إذ أن لم يستطع التخلص منها يقول: “لعلي نسيت الألم أما اللذة لا أدري” ويقول “الآن علمت وأن اللذة لا تغلب” وفي ذلك عودة للجسد ولم يعد وحيدا بل عاد مع ظلمة حيث أعادها أبو هريرة إلى الأرض لما مثلته من قبل من اضطهاد الجسد من قِبل الدين وطمس أبعاده ويختبرها في ذلك ليجدها نار ملتهبة تحت رماد اللّذّة والمتعة الحارقة، موسوعة سكوول ليكون أبو هريرة خليفة الله في قلب ظلمة ليحي بالتالي فيها الجسد ويتحدّى أبو هريرة الدّين ويجامعها في المحراب لأنه وصل إلى أنّ الدين يأسر الإنسان ويجعله في وهم وزيف إن لم يكن سجن يحبس فيه الإنسان.

فشل تجربة الروح / الدّين:

لم تكن تجربة الدين إلا بحثا لا متناهيا عن الكيان والمعنى وطريق البحث عن معنى الحياة وصراع الإنسان مع المادة والموت والقدر لازال طريقه طويلا، فرغم تعذيب الجسد إلا أنه ظلّ صارخا وصامدا مناديا بالشّهوة واللذة التي لم يستطع أبو هريرة أن يردّ الاجابة وأن لا يخضع لها لذلك اِلتقا الطرفين بمفارقتهما وتناقضهما بين داعيا إلى الجسد وأخرى داعية للجانب الروحي، وهكذا فإن تجربة الدّين لم تتواصل بل فشلت ولم تملأ كيان البطل في تحقيق معنى الحياة المنشود والوجود الحقيقي له مؤكدة له بقولها: “لا يتناسى الجسد إنسان إلا أكلته الأهام“، موسوعة سكوول ودخل أبو هريرة التجربة أنقذ فيها ظلمة مما كانت عليه من فهم خاطئ لمعنى الدين والحياة، لكنّه ظلّ أسير الحيرة والتَّيْهِ، ويرجع أيضا فشل هذه التجربة إلى كون أنّ الدين لا يقوم إلا على التسليم المطلق ولا على الاجابة على أسئلة الحيرة والشّكّ، ولفراغ هذه الطقوس من المعنى والروح فهي أعمال وأفعال مفرغة من الجانب الروحي.

وتظل هذه الأسباب موضوعية وغير شافية لأن المشكل لا يكمن في الدين لان الدّين أراد أن يسمو بالروح لا بالإنسان إلى مرتبة الألوهيّة. موسوعة سكوول وإنما في  ما يطلبه الإنسان من المستحيل تجاوزا لمرتبته الإنسانية التي يصعب أن يتجاوزها علاوة على الأحكام العامة التي أطلقها البطل لتبرير فشله في الجانب الروحي الذي لم يستطع ترويضه ولا السيطرة على شهوته ولذة الجسد، إذ يكمن المشكل في تحميل الغير أسباب الفشل والفصل بين الأبعاد الإنسانية.

تجربة الحكمة:

خرج أبو هريرة من جميع تجاربه مليئا بالحيرة والتساؤلات اللامتناهية فلا الجسد ولا الجماعة ولا الدين قد أجابوه عمّا اختلج في صدره ودهليز روحه، فكانت آخر مراحله فاقدا للبوصلة لا قبلة له ضائعا وهي ما سمّاه البعض تجربة الحكمة أو تجربة الجنون التي يرتكز فيها الأمر والحديث عن الحالة التي سيمرّ بها البطل أبو هريرة ليرى ما لايرى بمعنى أن يبصر في هذه التجربة النور الإلهي وأن يرى وحدة الوجود تمهيدا له للالتحام بالمطلق في آخر حديث “حديث البعث الآخر” في حالة القلق الوجودي فلم يد يفرق بين الشك ولا اليقين ولا ىالنور ولا الظلمة ولا الصلب ولا المائع وتحجرت مشاعره فلم يعد يفرّق بين الاشياء ولا الأضداد لقد ذهبت كلّ المعاني من ذهنه فلم يبقى إلا العبث والجنون، موسوعة سكوول ليلتقي أبو رغال ليعلمه الحكمة من خلال تجربته تجربة الجماعة كالتي خاضها أبو هريرة سابقا وكأنه نبيّ وحكيم فعلمه وحدة الوجود وتجانس الموجودات، بالتالي يتجاوز أبو هريرة العرض إلى جوهر المطلق  فلم يبقى له إلا أن يجرّب النهاية “لم يبق إلا أن أطلب النهاية”  ليدرك الموت بذلك ويطلع على أسرار ومعاني الحياة من خارجها، وهي لحظة نورانية صوفيّة، وفيها إشارة لتجربة الدين عند شيخ الصوفية في زمانه محي الدين بن عربي في وحدة الوجود.

المراجع الأساسية:

“حدث أبو هريرة قال …” لمحمود المسعدي – تقديم توفيق بكار.

المختصر في العربية – قسم الأدب الحديث للأستاذ الأزهر بنرحومة

دراسات وتطبيقات في أدب البكالوريا: حدث أبو هريرة قال: الفن والدلالة للأستاذ محمد الهاشمي الطرابلسي.

الرواية العربية من خلال الشحاذ لنجيب محفوظ وحدث أبو هريرة قال لمحمود المسعدي – كنوز للنشر والتوزيع.

احصل على الدروس عن طريق البريد الالكتروني

احصل على الدروس عن طريق البريد الالكتروني

كتب من قبل

طالب إجازة أساسية في العلوم الشرعية - جامعة الزيتونة ومحرر بموقع موسوعة سكوول

انقر للتعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Facebook

آخر المواضيع

إعلانات

شرح نص “في ماهية الإنسان” لديكارت – فلسفة – بكالوريا آداب

الانية والغيرية

برنامج العربية للبكالوريا آداب (ملخصات – شرح نصوص – منهجيات)

الجاحظ

منهجية تحليل نص من مسرحية "مغامرة رأس المملوك جابر" - العربية - بكالوريا آداب منهجية تحليل نص من مسرحية "مغامرة رأس المملوك جابر" - العربية - بكالوريا آداب

منهجية تحليل نص من مسرحية “مغامرة رأس المملوك جابر” – العربية – بكالوريا آداب

العربية

ملخص حكاية مسرحية: مغامرة رأس المملوك جابر - العربية - بكالوريا آداب ملخص حكاية مسرحية: مغامرة رأس المملوك جابر - العربية - بكالوريا آداب

ملخص حكاية مسرحية: مغامرة رأس المملوك جابر – العربية – بكالوريا آداب

العربية

إعلانات
Connect
احصل على الدروس عن طريق البريد الالكتروني

احصل على الدروس عن طريق البريد الالكتروني

error: Content is protected !!